فصل: (باب بيع الأصول والثمار)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان في مذهب الإمام الشافعي



.[مسألة: بيع اللبن في الضرع بلبن في الضرع]

وإن باع شاة في ضرعها لبن، بشاة في ضرعها لبن.. ففيه وجهان:
الأول: قال أبو الطيب بن سلمة: يصح البيع، كما يصح بيع السمسم بالسمسم وإن كان في كل واحد منهما شيرج، وكما يصح بيع دار بدار وإن كان في كل واحدة منهما بئر ماء.
والثاني: قال أكثر أصحابنا: لا يصح البيع، وهو المنصوص؛ لأن اللبن في الضرع، كاللبن في الإناء، فلم يصح، كما لو باع حيوانًا ولبنًا، بحيوان ولبن.
وأمَّا السمسم بالسمسم: فالفرق بينهما: أن الشيرج في السمسم كالمعدوم؛ لأنه لا يؤخذ منه إلا بطحن ومعالجة. واللبن في الضرع يمكن أخذه من غير مشقة شديدة، فهو كاللبن في الإناء.
وأمَّا الماء في البئر: فإن قلنا: إن الماء غير مملوك.. لم يكن فيه ربا؛ لأنه لم يتناوله البيع. وإن قلنا: إنه مملوك، فإن قلنا: إن في الماء ربًا.. لم يجز بيع دار بدار، وفي كل واحدة منهما بئر ماء. وإن قلنا: لا ربا في الماء.. جاز.

.[فرع: بيع حليب الجنس]

ويجوز بيع حليب الجنس بعضه ببعض متماثلاً، كما يجوز بيع التمر بالتمر. ويجوز بيع الرائب بالرائب، وهو: اللبن الذي فيه بعض حموضةٍ، كما يجوز بيع تمر غير طيب بتمر غير طيب. ويجوز بيع الحليب بالرائب، كما يجوز بيع تمر طيب بتمر غير طيب.
قال الشيخ أبو حامد: ولا يجوز بيع الحليب المغلي بغير المغلي، ولا بيع المغلي بالمغلي؛ لأن النار تعقد أجزاءه. ولا يجوز بيع الحليب المشوب بالماء الخالص، ولا بيع المشوب بالمشوب؛ لأن ذلك يؤدي إلى تفاضل اللبنين. ولا يجوز بيع اللبن بالزبد.
قال الشافعي: (لأن الزبد مستخرج من اللبن، فيكون كبيع السمسم بالشيرج).
وقال الشيخ أبو إسحاق: العلة فيه: أن الزبد لا يخلو من لبن، فيكون بيع لبن مع غيره بلبن، والصحيح: التعليل الأول.
ولا يجوز بيع اللبن بالسمن؛ لعلة الشافعي: أن في اللبن سمنًا، ولا يجوز بيعه باللبن المخيض، وهو: لبن منزوع الزبد؛ لأن في اللبن غير المخيض زبده، وقد نزع من المخيض زبده، فهو أنقص من اللبن.
ولا يجوز بيع اللبن باللِّبأ، ولا بالمصل، ولا بالأقط، ولا بالشيراز؛ لأن أجزاءها منعقدة بالشمس والنار، فلا يمكن كيلها، ولا يجوز بيعها وزنًا؛ لأن أصل اللبن الكيل.
فأما بيع ما يتخذ من اللبن بعضه ببعض: فإن باع السمن بالسمن.. جاز؛ لأنه بلغ حالة ادخاره، والنار دخلته للتمييز، لا لعقد الأجزاء، والمنصوص: (أن أصله الوزن)؛ لأنه أحصر.
وقال أبو إسحاق: يباع كيلاً؛ لأنه أصله.
وأما بيع الزبد بالزبد: ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز، كما يجوز بيع السمن بالسمن.
والثاني ـ ولم يذكر الشيخ أبو إسحاق، والشيخ أبو حامد في "التعليق" غيره ـ: أنه لا يجوز؛ لأن فيه لبنًا، فيكون بيع لبن وزبد، بلبن وزبد.
وأما بيع المخيض بالمخيض: فإذا كان لم يطرح في أحدهما الماء للضرب.. جاز، كالرائب بالرائب. وإن طرح الماء فيهما، أو في أحدهما.. لم يجز؛ لتفاضل الماءين والمخيضين.
وأما بيع المصل بالمصل، والأقط بالأقط، والجبن بالجبن، واللِّبأ باللِّبأ.. فلا يجوز؛ لأن أجزاءها منعقدة، وقد دخلت الإنفحة والملح في الجبن، فيكون بيع لبن وغيره بلبن وغيره.
ولا يجوز بيع السمن بالزبد؛ لأن السمن مستخرج من الزبد، فلم يجز بيعه به، كما لا يجوز بيع الشيرج بالسمسم.
وأما بيع الزبد بالمخيض: فالمنصوص: (أنه يجوز)؛ لأن اللبن الذي في الزبد كالمستهلك.
وقال أبو إسحاق المروزي، والشيخ أبو حامد: لا يجوز؛ لأن في الزبد شيئًا من اللبن.
ولا يجوز بيع المصل بالأقط، ولا بيع الأقط بالجبن ولا باللبأ؛ لأن أجزاءها منعقدة، ويختلف انعقادها.
ويجوز بيع السمن بالمخيض؛ لأنه ليس في السمن شيء من المخيض.
قال أصحابنا: ويجوز بيع السمن بالمخيض متفاضلا؛ لأنهما جنسان، وهكذا إذا قلنا: يجوز بيع الزبد بالمخيض.. فإنه يجوز متفاضلا؛ لأنهما جنسان.

.[مسألة: بيع اللحم بالحيوان]

إذا باع لحم إبل بإبل، أو لحم غنم بغنم، أو لحم بقر ببقر.. لم يصح البيع، وبه
قال أبو بكر الصديق، والفقهاء السبعة، ومالك، وأحمد.
وقال أبو حنيفة: (يجوز بيع اللحم بالحيوان حتى لو باع رطل لحم بحيوان.. جاز). وبه قال أبو يوسف.
وقال محمد: يجوز إذا كان اللحم أكثر من لحم الحيوان حتى تكون الزيادة بإزاء الجلد.
دليلنا: ما روى سهل بن سعد الساعدي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع اللحم بالحيوان».
وروى سعيد بن المسيب: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع الحي بالميت».
ولأنه جنس فيه الربا تبع أصله الذي فيه مثله، فلم يصح، كما لو باع الشيرج بالسمسم، وكان الشيرج أقل من الشيرج الذي في السمسم، أو مثله.. فإن أبا حنيفة قد وافقنا عليه: (أنه لا يجوز).
وأما إذا كان الشيرج أكثر من الشيرج الذي في السمسم: فإنه قال: (يجوز؛ لكون الزيادة بإزاء الكسب).
ودليلنا: أنه باعه بأصله الذي فيه مثله، فلم يجز قياسًا على الذي وافقنا.
وأما إذا باع اللحم بحيوان لا يؤكل، كالبغل والحمار.. فهل يصح؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يجوز؛ لعموم نهيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن بيع اللحم بالحيوان.
والثاني: يجوز، وبه قال مالك، وأحمد؛ لأن هذا الحيوان لا ربا فيه، فجاز بيعه فيه، كما لو باع اللحم بالثوب.
وإن باع لحم جنس من الحيوان بجنس غيره من الحيوان المأكول، كبيع لحم الإبل بالغنم، أو بالبقر، فإن قلنا: إن اللُّحمان جنس واحد.. لم يصح البيع؛ لما ذكرناه.
وإن قلنا: إن اللُّحمان أجناس.. ففيه قولان، كما لو باعه بحيوان لا يؤكل:
أحدهما: لا يجوز، وبه قال مالك، وأحمد؛ لعموم نهي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن بيع اللحم بالحيوان. وروى ابن عباس: (أن جزورًا نُحِر على عهد أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فجاء رجل بعناق، فقال: أعطوني بهذه العناق لحمًا، فقال أبو بكر: لا يصلح هذا). والجزور لا تنحر بحضرة الخليفة إلا وهناك أماثل الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، ولم يخالفه أحد.
والثاني: يجوز؛ لأنه باعه بما ليس فيه أصله، فجاز، كما لو باع اللحم بالثوب.
فإن باع لحمًا بسمكةٍ حيَّةٍ، أو باع لحم السمك بحيوان.. قال ابن الصباغ: فإن قلنا: إنه من جملة اللُّحمان.. فهو كما لو باع لحم غنم ببقر. وإن قلنا: إنه ليس من جُملة اللُّحمان.. كان فيه قولان، كما لو باع اللحم بحيوان لا يؤكل.

.[فرع: بيع الدجاجة فيها البيض ببيض]

وإن باع دجاجة فيها بيضٌ ببيضِ دجاجةٍ.. لم يجز، قولاً واحدًا؛ لأن ذلك بمنزلة بيع شاةٍ في ضرعها لبنٌ بلبنِ شاةٍ. وبالله التوفيق

.[باب بيع الأصول والثمار]

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -[في "الأم" (3/39)] (وكل أرض بيعت، فللمشتري جميع ما فيها من بناء وأصل. و(الأصل): ما له ثمرة بعد ثمرة من شجر وزرع). وهذا كما قال إذا بيعت الأرض وفيها بناءٌ أو شجرٌ، فإن قال: بعتك هذه الأرض بحقوقها.. دخل البناء والشجر في البيع؛ لأنه من حقوقها. وإن لم يقل: بحقوقها، ولكن قال: بعتك هذا البستان.. دخلت الأرض والشجر الذي فيها في البيع؛ لأن البستان اسم يجمعهما.
وهكذا: إن قال: بعتك هذه الدار.. دخل في البيع الأرض والحيطان والسقوف والأبواب؛ لأن الدار اسم يجمع ذلك كله.
وإن لم يقل ذلك، ولكن قال: بعتك هذه الأرض.. فهل يدخل البناء والشجر في البيع.. نص الشافعي في (البيع): (أنّ ذلك يدخل). وقال في (الرهن): (إذا قال: رهنتك هذه الأرض.. لم يدخل البناء والشجر).
واختلف أصحابنا فيهما على ثلاث طرق:
فـالأول: قال أبو العباس: لا يدخل فيهما؛ لأن الأرض اسمٌ للعرصة دون ما فيها. وقوله في (البيع) أراد: إذا قال بحقوقها.
والثاني: منهم من نقل جوابه في كل واحدةٍ من المسألتين إلى الأخرى، وخرَّجهما على قولين:
أحدهما: يدخل فيهما؛ لأن البناء والشجر من حقوق الأرض، فدخل في بيعها بمطلق العقد، كطرقها.
والثاني: لا يدخل؛ لأن الأرض اسمٌ للعرصة وحدها.
[والثالث منهم من حمل المسألتين على ظاهرهما، فقال في (البيع): (يدخل) بالإطلاق. وفي (الرهن): (لا يدخل) من غير شرط، وفرَّق بينهما بفرقين:
أحدهما: أن البيع عقد قوي يزيل الملك، فتبع فيه البناء والشجر، والرهن عقد ضعيف لا يزيل الملك، فلم يتبع فيه البناء والشجر.
والثاني: أنه لما كان النماء الحادث من المبيع بعد العقد للمشتري.. جاز أيضًا أن يتبعها البناء والشجر. ولمَّا كان النماء الحادث من الرهن بعد العقد للراهن.. جاز أن لا يتبعها البناء والشجر.
وإن قال: بعتك هذه القرية.. لم تدخل المزارع فيها؛ لأن اسم القرية حقيقة إنما يقع على البيوت والدروب الدائرة عليها، دون المزارع، ولهذا لو حلف لا يدخل قرية، فدخل مزارعها.. لم يحنث.

.[مسألة: دخول المرافق في بيع الدار]

إذا قال: بعتك هذه الدار.. فقد قلنا: إن ذلك يشتمل على الأرض والبناء، ويدخل فيها الأبواب المنصوبة، والسلالم، والرفوف المسمرة، والأوتاد المغروزة، والجوابي، والأجاجين المدفونة فيها؛ لأن ذلك من مرافقها المتصلة بها، فهي كطرقها. وإن كان فيها سلم أو رف غير مسمر.. لم يدخل في البيع، وكذلك الدلو والحبل والبكرة لا تدخل في البيع؛ لأن ذلك غير متصل بها، ولا هو من مرافق الدار، فلم يدخل فيها، كالمتاع الموضوع في الدار، ويدخل فيه الغلق المستمر، والحجر السفلاني من الرحى إذا كانت مبنية؛ لأن ذلك متصل بالدار. وهل يدخل المفتاح، والحجر الفوقاني من الرحى؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يدخلان؛ لأنهما منفصلان عن الدار، فهما كالدلو والبكرة.
والثاني: يدخلان؛ لأنهما وإن كانا منفصلين، إلا أنهما يتعلقان بمنفعة المتصل، فهما كالمتصل.
وإن كان حجر الرحى السفلاني غير مبني.. لم يدخل واحد منهما في البيع، وجهًا واحدًا؛ لأنهما منفصلان عنها، فهما كالدلو والبكرة.
وإن كان في الدار شجرةٌ، فإن قال: بعتك هذه الدار بحقوقها.. دخلت الشجرة في البيع. وإن لم يقل: بحقوقها.. فهل تدخل الشجرة في البيع؟ على الطرق الثلاث.
وإن كان في الدار بئر ماء.. فإن البئر وما فيها من البناء يدخل في بيع الدار بمطلق العقد.
وأما الماء الذي في البئر: فهل هو مملوكٌ؟ فيه وجهان:
أحدهما ـ وهو قول أبي إسحاق، واختيار الشيخ أبي حامد ـ: أنه غير مملوك؛ لأن من اشترى دارًا وفيها بئر ماء، فاستقى منه المشتري أيَّامًا الماء، ثم وجد في الدار عيبًا.. كان له ردُّها؛ فلو كان الماء من جملة المبيع.. لم يكن له ردُّها، ولأن من اكترى دارًا وفيها بئر ماء.. كان له أن يشرب منها ويتوضأ؛ ولو كان الماء مملوكًا.. لم يكن للمستأجر الانتفاع به؛ لأن الأعيان لا يصح أن تستباح بالإجارة، بدليل: أن من استأجر أرضًا، وفيها نخلٌ.. لم يجز له أن يأكل من ثمرتها.
فعلى هذا: لا يدخل الماء في بيع الدار، غير أن المشتري أحق بالماء لثبوت يده على الدار، وليس لأحد أن يتخطى في ملكه إلى الماء؛ لأنه لا يجوز لأحد دخول ملك غيره بغير إذنه، فإن خالف الغير، وتخطى ملكه، وأخذ من ماء البئر.. ملكه كما قلنا في الطائر إذا عشش في ملكه، أو إذا توحَّل الصيد في أرضه.. فليس لأحد أن يتخطى ملكه لأخذه، فلو خالف، وتخطى، فأخذ الطائر والصيد.. ملكه.
والوجه الثاني ـ وهو قول أبي علي بن أبي هريرة، وهو المنصوص في القديم و " حرملة " ـ: (أن الماء مملوكٌ)؛ لأنه نماء ملكه، فكان مملوكًا له، كالحشيش والثمرة.
قال الشيخ أبو حامد: وهذا ليس بصحيح؛ لأن الماء ليس بنماءٍ للأرض، وإنما هو يجري تحت الأرض، بخلاف الحشيش والثمرة.
فإذا قلنا: إنه مملوك.. لم يدخل الماء الموجود حال العقد في البيع بالإطلاق حتى يقول: بعتك الدار والماء الظاهر الذي في البئر؛ لأنه نماء ظاهر، فهو كالطلع المؤَبَّر. فإن لم يشترط دخول الماء الظاهر في البيع.. لم يصح بيع الدار؛ لأن الماء الظاهر للبائع، وما ينبع بعده يكون ملكًا للمشتري. فإذا لم يشترط دخول الظاهر في البيع.. اختلط الماءان، فينفسخ البيع.
وإن أفرد الماء الذي في البئر بالبيع.. لم يصح على الوجهين؛ لأن على قول أبي إسحاق: أن الماء غير مملوك، وما ليس بمملوك.. لا يصح بيعه. وعلى قول أبي علي بن أبي هريرة: هو مملوك، إلاَّ أنه يكون مجهولاً، ولأنه لا يمكن تسليمه؛ لأنه إذا لم يسلمه.. اختلط بالماء الذي ينبع، وهو ملك للبائع.
وأمَّا العيون المستنبطة: فإنها مملوكة، وهل يملك الماء الذي فيها؟ على الوجهين. ولا يصح بيع الماء الذي فيها؛ لما ذكرناه في ماء البئر.
ولا يصح أن يبيعه كذا وكذا سهمًا من ماء كذا؛ لما ذكرناه.
وكذلك: لا يصح أن يقول: بعتك ليلة أو يومًا مِنْ كذا، وكذا يومًا في ماء كذا؛ لأنَّ الزمان لا يصح بيعه، والماء في العيون والآبار لا يصح بيعه؛ لما ذكرناه، ولكن الحيلة فيمن أراد أن يشتري ماء العين أو سهمًا منها: أن يشتري العين نفسها أو سهمًا منها. هكذا ذكر أصحابنا، وعلى قياس ما ذكروا في بيع الدار التي فيها بئر ماء، إذا اشترى العين أو سهمًا منها فيها.. إذا قلنا: إن الماء مملوك.. فيشترط أن يشتري مع العين الماء الظاهر وقت البيع؛ لئلا يختلط ماء المشتري بماء البائع، فينفسخ البيع. ويشترط رؤية الماء وقت عقد البيع؛ لأن البيع فيما لم يره واحدٌ منهما لا يصح، ولا يكفي رؤيتهما المتقدمة قبل البيع؛ لأن ذلك رؤية للماء الحادث وقت الرؤية لا لما يحدث بعده.
فأما الماء الجاري من الأنهار التي ليست بمملوكة، كدجلة والفرات والنيل والسيل الذي يجيء من الموات.. فإنه غير مملوكٍ، فلا يجوز بيعه. فإن أخذ منه إنسان شيئًا بسقاءٍ أو غيره ملكه، وجاز له أن يبيعه. وإن دخل منه شيء إلى أرض رجل.. لم يملكه بذلك، بل يكون أحق به من غيره، كما قلنا في الصيد إذا توحَّل في أرضه. فإن دخل رجلٌ إلى أرض جاره، وأخذ من هذا الماء.. فقد تعدى بدخوله إلى أرض غيره بغير إذنه، ولكنه يملك هذا الماء الذي أخذه. ويأتي على قياس هذا: ما يقع في أرضه من ماء المطر، فإنه لا يملكه ولا يصح بيعه له، وجهًا واحدًا؛ لأنه إنما يملك ماء البئر على قول أبي عليٍّ؛ لأنه نماء أرضه، وهذا ليس بنماء أرضه، وإنما هو أحق به، كما لو توحل في أرضه صيد.
إذا ثبت هذا: فروي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أنه نهى عن بيع فضل الماء».
قال الصيمري: فحمل قومٌ ذلك على ظاهره، وأنه لا يصح بيعه على الإطلاق، وأجروه مجرى النار والشمس والقمر. وهذا غلط؛ لأنه ملكه، والعمل على بيعه في زمن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وإلى وقتنا هذا يباع ويبتاع.
وأجمع أصحابنا: أنه لو احتاز رجل ماءً من نهر عظيم، ثم أعاده إليه.. أنه لا يختص بشركةٍ في هذا النهر.
وإن أتلف رجلٌ على غيره ماءً.. فهل تلزمه قيمته أو مثله؟ فيه وجهان.

.[تذنيب: في بيع المعدن والركاز مع الأرض]

وأمَّا المعادن في الأرض.. فعلى ضربين: جامدة ومائعة.
فأما الجامدة: فهي كمعادن الذهب والفضة والفيروزج، وما أشبه ذلك من النحاس والرصاص، فهذه مملوكةٌ بملك الأرض، وتتبعها في البيع، كأجزائها، إلا أنه إذا كان في الأرض معدن ذهب.. لم يصح بيعها بذهب، وهل يصح بيعها بفضة؟ فيه قولان؛ لأنه بيع وصرف. ويجوز بيعها بغير الذهب والفضة، قولاً واحدًا.
وأما المعادن المائعة: فهي كمعادن النفط والقار والمومياء والملح، فعلى قول أبي إسحاق: هو غير مملوكٍ لا يدخل في البيع، ولكن المشتري أحق به، ولا يصح بيع شيء منه إلا بعد حيازته. وعلى قول أبي علي بن أبي هريرة: هو مملوكٌ؛ فلا يدخل الظاهر منه في البيع إلا بالشرط، ويجوز أن يبيع منه قدرًا معلومًا.
وأما الركاز: فلا يدخل في البيع؛ لأنه مستودع في الأرض، فلم يدخل فيها، ولا يكون للمشتري فيه حقٌّ، سواء كان من ضرب الجاهلية أو الإسلام، فيعرض على البائع، فإن ادَّعى أنه كان دفنه فيها.. فهو له. وإن قال: ليس له.. عرض على من انتقلت الأرض منه إلى البائع إلى أن يدَّعيه مدع، ولا يكون ركازًا؛ لأن الركاز ما وجد في موات.

.[مسألة: دخول الثمر في بيع النخل]

إذا باع نخلاً وعليها ثمرةٌ.. نظرت:
فإن شرط أن الثمرة غير مبيعة.. فهي للبائع.
وإن شرط أنها للمشتري.. دخلت في البيع. وإن أطلقها البيع نظرت:
فإن كانت الثمرة قد أُبرت ـ وهو: أن يتشقق الطلع، أو يُشَقَّقَ ويُجعل فيه شيء من ثمرة الفحول ـ فالثمرة للبائع.
وإن لم تؤبر.. فهي للمشتري. هذا مذهبنا، وبه قال مالك، وأحمد.
وقال ابن أبي ليلى: الثمرة للمشتري بكل حال.
وقال أبو حنيفة: (بل هي للبائع، أبرت أو لم تؤبر).
دليلنا: ما روى ابن عمر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من باع نخلاً بعد أن تؤبر.. فثمرتها للبائع، إلا أن يشترطها المبتاع». فنطق الخبر دليل على ابن أبي ليلى، ودليل خطابه دليل على أبي حنيفة.
وروي: «أن رجلاً ابتاع من رجل نخلا، فاختلفا، فقال المشتري: اشتريت، ثم أبرت، وقال البائع: أبرت، ثم بعت، فاحتكما إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فجعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الثمرة للذي أبر».
ولأنه نماء مستتر في المبيع من أصل الخلقة، فجاز أن يتبع الأصل في البيع، كالحمل.
فقولنا: (مستتر في المبيع) احتراز من الثمرة بعد التأبير.
وقولنا: (من أصل الخلقة) احتراز من الركاز والأحجار المدفونة في الأرض.
أو نقول: لأنه نماء كامنٌ، لظهوره غاية، فكان تابعًا لأصله قبل ظهوره، كالحمل.
فقولنا: (نماء كامن) احترازٌ من المؤبر.
وقولنا: (لظهوره غاية) احترازٌ من الرمان والموز في قشره.
إذا ثبت هذا: فإنه يقال: أبر ـ بالتشديد ـ يؤبر تأبيرًا، وأبر ـ بالتخفيف ـ يأبر أبرًا. وأما الإبار: فبالتخفيف لا غير، ويسمى التأبير: التلقيح، وفيه مصلحة للنخل بإذن الله تعالى.
وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قدم المدينة وهم يلقحون النخل، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما هذا؟»، فقالوا: ليحمل، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «دعوه، فإن كانت حاملةً.. فإنها ستحمل»، فتركوه تلك السنة، فلم يحمل نخلهم من تلك السنة إلا الشيص ـ وهو ما لا ينتفع به ـ فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ارجعوا إلى ما كنتم عليه، فإنكم أعرف بأمور دنياكم، وأنا أعرف بأمور دينكم».

.[فرع: بيع النخل قبل التأبير]

وإن باع نخلاً وعليها طلع قد تشقق بنفسه، ولم يلقح.. فإن ثمرتها للبائع، إلا أن يشترطها المبتاع؛ لأن الثمرة إذا كانت للبائع، إذا شققها الآدمي ولقحها.. فبأن تكون له إذا تشققت بنفسها أولى؛ لأن ذلك من فعل الله تعالى، ولأنها قد خرجت عن أن تكون كامنة.

.[فرع: بيع فحال النخل]

وإن باع فحال النخل وعليه طلع، فإن كان قد تشقق طلعه.. كان ذلك للبائع كطلع الإناث إذا تشقق بنفسه. وإن كان الطلع لم يتشقق.. ففيه وجهان:
الأول: من أصحابنا من قال: إن الطلع للبائع؛ لأن جميع طلع الفحال مقصود؛ لأنه مأكولٌ، فهو بمنزلة طلع الإناث إذا أبر.
والثاني ـ وهو المنصوص للشافعي ـ: (أنه للمشتري)؛ لأنه طلع لم يتشقق، فدخل في بيع الأصل بالإطلاق، كطلع الإناث. وما قال الأول.. غير صحيح؛ لأن المقصود من طلع الفحال ما في جوفه؛ لأنه يلقح به الإناث، ويؤكل أيضًا، وهو باطنٌ لم يظهر، فلم يتبع الأصل، كطلع الإناث.

.[فرع: جريان ما مضى بعقود المعاوضات]

وكل عقد معاوضة عقد على النخل، مثل: أن يجعل النخل عوضا في الصلح، أو أُجرة في إجارة، أو مهرًا في نكاح، أو عوضا في الخلع، فحكمه حكم البيع، إن كان عليها طلعٌ غير مؤبر.. تبع الأصل. وإن كان مؤبَّرًا.. لم يتبع الأصل.
وإن وهب لغيره نخلا وعليها طلعٌ غير مؤبر، أو وهب الأب لابنه نخلا لا طلع عليها، فأطلعت في ملك الابن، ثم رجع الأب في الهبة قبل التأبير.. فهل تتبع الثمرة النخلة فيهما؟ فيه وجهان:
أحدهما: تتبعها؛ لأنه أزال ملكه عن الأصل، فتبعته الثمرة، كما لو باع النخلة.
والثاني: لا تتبعها؛ لأنه عقد لا عوض فيه، فلم تتبع الأصل، كما لو أصدق امرأته نخلاً لا طلع عليها، فأطلعت في ملكها، ثم طلقها قبل الدخول.. فإنه لا يرجع فيها.

.[مسألة: تأبير نخلة من حائط]

وإذا أطلع الحائط، فأبرت نخلة منه، أو طلعة من نخلة، ثم باع جميع النخل.. نظرت:
فإن كان النخل نوعًا واحدًا.. فإن جميع طلع النخل يكون للبائع إذا لم يشترك المشتري دخولها في البيع؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من باع نخلا بعد أن تؤبر.. فثمرتها للبائع، إلا أن يشترطها المبتاع».
قال الشيخ أبو حامد: وإذا أبر نخلة واحدة من جماعة نخل، أو طلعة من نخلة.. فإنه يقال: قد أبر الثمرة. ولأنا لو قلنا: إن ما أبر للبائع وما لم يؤبر للمشتري.. أدى إلى سوء المشاركة واختلاف الأيدي، فتبع الباطن من الثمرة الظاهر منها، كما يتبع أساس الدار ظاهرها.
وإن كان النخل في الحائط أنواعًا، كالمعقلي، والبرني، والسكر، وغير ذلك، فأبر بعض نوع منها، ثم باع جميع نخل الحائط.. فإن طلع ما لم يؤبر من ذلك النوع يتبع ما أبر منه، ويكون للبائع. وهل يتبعه ما لم يؤبر، وما لم يتشقق من الأنواع الأخرى؟ فيه وجهان:
الأول: قال أبو علي بن خيران: لا يتبعه؛ لأن النوع الواحد لا يتفاوت إدراكه وتأبيره، بل يتقارب، فيتبع بعضه بعضًا. وأمَّا النوعان: فإن إدراكهما يتفاوت، فلم يتبع أحدهما الآخر.
والثاني ـ وهو قول أبي علي بن أبي هريرة ـ: أنه يتبعه، وهو الصحيح؛ لأنا إنما قلنا: إن الذي لم يؤبر يتبع المؤبر؛ لئلا يؤدي إلى الضرر بسوء المشاركة، واختلاف الأيدي، وهذا المعنى موجودٌ في النوعين، كالنوع الواحد.